رواية في صدري انسان اخر الفصل الاول



 مقدمه


ما اكثر ما يخطئ الانسان في فهم نفسه يظن ان جراحه جاءت مما فقد وما فقد الا ما كان زائلا بطبعه ويظن ان تعاسته في حرمانه من بعض الاشياء وما اتعبه الحرمان يوما بقدر ما اتعبته اوهامه عنها فنحن لا نعاني من الواقع كما نزعم بل من الصورة التي رسمناها له في خيالنا ثم طالبناه ان يشبهها ولهذا لا ينكسر القلب حين تتبدد الاشياء بل حين تتبدد المعاني التي البسناها لها ولا يخذلنا الناس لانهم تغيروا بل لاننا بالغنا في تخيل ثباتهم ولا تؤلمنا الحقيقة لانها قاسية بل لانها تأتي متأخرة بعد ان نكون قد بنينا اعمارا كاملة على نقيضها ولعل مأساة الانسان الكبرى انه لا يعيش الاشياء كما هي بل كما يرجوها ان تكون فاذا انكشف له وجهها الحقيقي لم يبك ما ضاع منه بل بكى النسخة التي اخترعها في قلبه ثم صدق وجودها

....

معلومات عن الكاتب

ماجد محمد الضالعي من مواليد عام 1994 حاصل على درجة الماجستير في علوم الحاسوب ويقيم في مدينة العين التابعة لامارة ابوظبي في دولة الامارات العربية المتحدة

 يهتم بالكتابة بوصفها مساحة يلتقي فيها الفكر بالادب ويسعى الى تقديم محتوى يجمع بين الرواية والمقالة والتقنية مؤمنا بأن الكلمة الصادقة قادرة على ترك اثر يدوم في ذاكرة القارئ ويحرص في اعماله على المزج بين العمق الفكري والاسلوب الادبي لتقديم تجربة قراءة تثري العقل وتمس المشاعر

......

استغرقت في كتابة فصول هذه الرواية قرابة ثلاثة اشهر ولم يكن ذلك لان حجمها يتطلب هذه المدة بل لان ظروفي لم تكن تسمح لي بالكتابة الا في اوقات فراغ نادرة لذلك كتبت هذه الصفحات على مهل مستغلا كل فرصة كانت تتاح لي وآمل ان يجد القارئ بين هذه السطور ما يستحق وقته وان يخرج من هذه الرحلة بشيء يبقى في ذاكرته بعد ان يطوي الصفحة الاخيرة



الفصل الاول

احيانا لا يحتاج الانسان الى ان يخسر كل شيء بل يكفي ان يخسر الشيء الذي بنى عليه كل شيء

لم يكن ادم يعرف متى بدأ يشعر بأن حياته تسير اسرع منه كانت الايام تمضي بالترتيب نفسه حتى ظن ان الغد نسخة من الامس وان ما يفعله اليوم سيفعله غدا ثم بعد عام ثم بعد اعوام يستيقظ في الموعد ذاته يسلك الطريق نفسه الى الجامعة يجلس في القاعة نفسها ويعود الى المنزل حاملا الكتب نفسها حتى اصبحت الحياة مألوفة الى درجة انها لم تعد تثير فيه سؤالا

كان في سنته الجامعية الاخيرة ولم يكن ينقصه الاجتهاد ولا الطموح كان اساتذته يرون فيه طالبا مجتهدا واصدقاؤه يرونه شابا هادئا لا يدخل في صراعات لا تعنيه اما والدته فلم تكن ترى فيه الا ابنها الذي سيقف قريبا على اول عتبة من مستقبله

لكن الانسان يعيش حياتين

حياة يراها الناس وحياة اخرى لا يعلم عنها احد شيئا

وفي حياة ادم الثانية كان هناك خوف يكبر بصمت خوف لا يوقظه صوت ولا يطفئه حديث بل ينام معه كل ليلة ويستيقظ معه كل صباح كان يعرف ان يوما ما ينتظره خلف الافق يوما سيطالبه بشيء لا يملكه وكان كلما اقترب ذلك اليوم اقنع نفسه بأنه سيجد مخرجا في اللحظة الاخيرة

وفي ذلك الصباح جلس في الساحة الخارجية للجامعة ينتظر محاضرته التالية كانت الضحكات تتعالى من حوله والاحاديث تدور عن مشاريع التخرج والوظائف والخطط التي تبدأ بعد التخرج كان الجميع يتحدث عن المستقبل بثقة بينما كان هو
 يراقبهم بصمت

اخرج هاتفه ليتفقد الوقت
ظهر اشعار جديد
ضغط عليه دون اكتراث
ولم يكن يعلم ان تلك اللمسة الصغيرة ستقسم حياته الى نصفين حياة انتهت في تلك اللحظة واخرى لم يكن يتخيل انه سيعيشها يوما
مد يده الى الاشعار وفتحه كما يفتح اي رسالة عابرة لا تستحق كثيرا من الانتباه
توقفت عيناه عند السطر الاول
ثم انتقلتا الى الثاني
ولم تكملا
بقي الهاتف ثابتا بين يديه بينما اخذت الاصوات من حوله تتلاشى شيئا فشيئا كأن العالم ابتعد عنه خطوة واحدة ثم خطوات حتى لم يعد يسمع سوى صمت ثقيل يضغط على صدره

لم يكن الخبر مفاجئا

لقد عاش الاشهر الماضية وهو ينتظر هذه اللحظة يعرف انها قادمة ويؤجل التفكير فيها كلما اقتربت لان الانسان قد يحتمل الحقيقة حين تكون بعيدة لكنه يعجز عن النظر اليها عندما تقف امامه

قرأ الرسالة مرة اخرى

نحيطكم علما بايقاف قيدكم الاكاديمي بسبب عدم سداد الرسوم المستحقة خلال المدة المحددة

كانت الكلمات قليلة لكنها بدت كأنها تحمل وزن سنوات كاملة
رفع رأسه ببطء
لم يتغير شيء
الطلاب ما زالوا يضحكون والمحاضرات لم تبدأ بعد والريح تقلب اوراق الاشجار في الساحة وكأن الحياة لم تلاحظ ان شابا فقد قبل لحظات الطريق الذي كان يظنه يقوده الى مستقبله

ابتسم بسخرية خافتة لم يرها احد
ثم قال كم هو غريب هذا العالم
حين ينكسر انسان لا يتوقف شيء من حوله احتراما لانكساره

ظل جالسا دقائق لا يعرف عددها ثم اغلق الهاتف ووضعه في جيبه حمل حقيبته ونهض ببطء ومضى بين الطلاب الذين كانوا يعبرون الساحة مسرعين الى محاضراتهم الاخيرة قبل التخرج

 اما هو
فكان يغادر الجامعة دون ان يعلم انه لن يعود اليها طالبا مرة اخرى
وحين بلغ البوابة توقف للحظة
التفت الى المبنى الذي حفظ ممراته وقاعاته واصواته ثم اطرق رأسه ومضى
لم يكن الوجع في ان حلما انتهى
بل في ان حلما استغرق سنوات من العمر انتهى بجملة لا تتجاوز سطرين

خرج ادم من بوابة الجامعة ببطء ولم يلتفت خلفه لم يكن يخشى الوداع بل كان يخشى ان يكتشف ان المكان الذي احتضن سنواته يستطيع ان يواصل حياته من دونه كما لو انه لم يكن يوما جزءا منه

مد يده الى محفظته وفتحها على مهل
بضع اوراق نقدية
ظل ينظر اليها طويلا ثم اغلقها دون ان يعدها
لم يكن ينظر الى ما بقي في جيبه بل الى ما ضاع من عمره

 ادرك في تلك اللحظة ان الانسان قد يقضي سنوات يبني مستقبلا كاملا ثم تأتي لحظة واحدة تخبره ان ما كان ينقصه لم يكن الاجتهاد بل القدرة على ان يدفع ثمن حلمه

تابع طريقه بصمت لم يكن يفكر فيما سيأتي لان القادم كان مجهولا ولم يكن يفكر فيما مضى لان الماضي لم يعد يملك القدرة على انقاذه كانت المرة الاولى التي يشعر فيها انه يقف بين حياة انتهت واخرى لم تبدأ بعد

وحين وصل الى المنزل توقف امام الباب لحظة
لم يكن متعبا من الطريق بل من السؤال الذي ينتظره خلفه
فتح الباب بهدوء
رفعت والدته رأسها وابتسمت كما تفعل كل يوم

قالت ببساطة عدت مبكرا اليوم
نظر اليها وشعر ان الكذب يؤلمه اكثر من الحقيقة لكنه قال بصوت هادئ
انتهت المحاضرات مبكرا
ابتسمت في وجهه وعادت الى ما كانت تفعله

اما هو فاتجه الى غرفته بصمت واغلق الباب خلفه
وقف مكانه دون ان يتحرك
كانت الغرفة كما تركها صباحا الكتب والاوراق وكل التفاصيل الصغيرة التي كانت تؤمن ان الغد سيأتي كما اعتاد ان يأتي

اما هو
فكان يشعر ان شيئا في داخله قد غادر ولن يعود كما كان
ولأول مرة لم يخف من المستقبل
بل خاف ان يرى الانكسار في عيني والدته عندما تعرف الحقيقة

جلس ادم على طرف سريره والقى حقيبته الى جواره ثم اخرج هاتفه وفتح الرسالة مرة اخرى لم يكن ينتظر ان تتغير كلماتها لكنه كان يعيد قراءتها كما يعيد الانسان الوقوف امام باب اغلق في وجهه لعل المرة التالية تكون مختلفة انتهى من القراءة واعاد الهاتف الى مكانه ثم ترك عينيه تجولان في الغرفة كل شيء كان ساكنا كما تركه صباحا حتى خيل اليه ان الزمن توقف هنا وان ما حدث في الخارج لم يصل الى هذا المكان بعد

ارتفع طرق خفيف على الباب فأذن بالدخول دخلت والدته تحمل كوبا من الشاي ووضعته امامه برفق ثم ابتسمت وقالت اراك متعبا يا ادم 
رفع رأسه اليها واخفى ما في عينيه بابتسامة صغيرة لا تشبهه ثم قال كان يوما طويلا
 هزت رأسها وهي تدعو له بالخير ثم خرجت واغلقت الباب بهدوء

ظل ينظر الى الباب بعد رحيلها ثم وقع بصره على كوب الشاي كان البخار يتصاعد منه في هدوء ثم اخذ يختفي شيئا فشيئا حتى برد ولم تمتد اليه يده
 شعر يومها ان الاحلام لا تموت حين تسقط بل حين تبقى امام اصحابها ولا يعود فيهم ما يكفي للاقتراب منها

خرج الخبر من صمته حتى صار يعرفه كل من حوله كانوا يلقونه بكلمات المواساة فيبتسم ويشكرهم ثم يمضي لانه لم يجد في اللغة كلمة تستطيع ان تحمل ما كان يثقل صدره

اما والدته فلم تكن تسأله عن الجامعة ولا عن الغد ولا عما ينوي فعله بعد ذلك كانت ترى في ملامحه ما يغنيها عن السؤال فاختارت ان تكون الى جواره كما كانت دائما تعد له طعامه وتطرق بابه كل مساء حاملة كوب الشاي نفسه وتبتسم كلما التقت عيناها بعينيه كأنها كانت تخشى ان تزيد كسوره بكلمة وهي تعلم ان بعض القلوب لا ينقصها الصبر وانما ينقصها من يبقى الى جوارها حتى تعود قادرة على الوقوف

مر شهران ولم يشعر ادم انه عاشهما بل عبرهما كما يعبر الغريب مدينة لا يعرفها كانت الايام تمر من حوله اما هو فبقي واقفا عند اللحظة التي انطفأ فيها اخر ما كان ينتظره

لم يعد يطيل النظر الى الغد لان الغد لم يعد يعده بشيء حتى الاسئلة التي كانت تثقل صدره فقدت صوتها وكأنها تعبت هي الاخرى من انتظار جواب لن يأتي

اما والدته فكانت تراه كل يوم وتدرك ان في قلبه كلاما اكبر من ان يقال لم تحاول ان تفتحه بالقوة ولم تزد صمته سؤالا اخر بل تركت له بابها مفتوحا ودعاءها يسبقه الى كل صباح

في مساء ذلك اليوم وبينما كان ادم يتصفح هاتفه بلا هدف استوقفه اعلان عن باحثة تدعى ليان تتحدث عن مشروع يفتح ابوابه لمن فقدوا فرصهم ويرغبون في بداية جديدة لم تكن الكلمات مختلفة عن عشرات الاعلانات التي اعتاد ان يتجاوزها لكن شيئا ما دفعه الى متابعة القراءة انتقل الى صفحتها وقرأ عن اعمالها ورحلاتها الى اماكن نائية وعن فريق يعمل في مهام لا تكشف تفاصيلها للعامة لم يفهم طبيعة ما تقدمه لكنه شعر للمرة الاولى منذ اشهر ان امامه بابا لم يغلق بعد وبعد تردد طويل ضغط على وسيلة التواصل وارسل اليها رسالة قصيرة لم يكتب فيها سوى انه يبحث عن فرصة تمنحه سببا ليبدأ من جديد ولم تمض ايام حتى وصله منها رد مختصر تدعوه فيه الى لقاء في احد المقاهي


 وحين اتى اليوم المحدد 
 دخل ادم المقهى فوجد ليان تنتظره قرب النافذة تبادلا التحية ثم جلسا متقابلين مضى الحديث طويلا لكنه لم يكن حديث تعارف بل حديث يقيس فيه كل منهما ما يخفيه الاخر اكثر مما يسمع ما يقوله

خرجت ليان من اللقاء بيقين لم تخطئه من قبل كانت تعرف ان بعض الناس لا يغيرهم الالم بل يحررهم من كل ما كان يقيدهم وكانت تبحث منذ زمن عن هذا النوع من البشر انسان لم يعد يفاوض الحياة على شيء ولا ينتظر منها وعدا

قالت بعد ان طوت اوراقها لدينا عمل في قرى نائية وان اردت الانضمام الينا فكن في محطة القطار صباح الخميس
ثم كتبت اسما على ورقة صغيرة ودفعتها اليه
ثم قالت ستلتقي هناك بفتاة تدعى نجد ستعرفك على بقية الفريق ومنها تبدأ رحلتكم
اخذ الورقة ونهض بعد كلمات وداع قصيرة ثم خرج دون ان يسأل عن شيء اخر

في تلك الليلة جلس ادم مع والدته كان البيت هادئا على غير عادته كأن الجدران هي الاخرى تعرف ان موعد الرحيل صار اقرب من الكلام

قطع ادم ذلك الهدوء بسؤال خرج من مكان اعمق من صوته
امي هل شعرت يوما انك اضعت سنوات من عمرك

لم تبحث والدته عن جواب يواسيه لانها كانت تعرف ان المواساة لا تعيد الاعمار فقالت كل انسان يظن ذلك عندما ينظر الى ما فاته ولو التفت الى نفسه لوجد ان الطريق لم يأخذ منه وحده بل صنع منه ايضا

استقرت الكلمات في داخله ثم عاد يسألها ولو عاد بك الزمن اما كنت ستختارين طريقا اخر

ابتسمت للفكرة اكثر مما ابتسمت للسؤال
ثم قالت لو عاد الزمن لعاد معه عقلي في ذلك العمر وقلبي في ذلك العمر وجهلي في ذلك العمر فلماذا اطلب من انسانة الامس ان تعرف ما لم تتعلمه الا بعد سنوات

لم يجد ادم ما يجيب به كانت المرة الاولى التي يرى فيها الماضي من هذه الزاوية

اكملت والدته بصوت خافت كأنها تحدث العمر كله لا ابنها وحده
 لا تجعل حياتك سجنا لحكم تصدره اليوم على رجل رحل بالامس انصف نفسك كما كنت يومها لا كما اصبحت اليوم


انتهى الحديث عند هذه الجملة لكن اثرها لم ينته وفي صباح الرحيل حمل ادم حقيبته وغادر المنزل ولم يكن اكثر ما يرافقه زادا للطريق بل تلك الكلمات التي بقيت تمشي الى جواره كلما اقترب من مستقبل لا يعرف ملامحه

بعد ساعات من السفر وصل الى محطة القطار
كانت تعج بالمسافرين والعابرين
اصوات متداخلة
وحقائب تجر فوق الارض
ووجوه تمضي الى وجهات لا يعرفها احد سواها

وقف ادم وسط ذلك الزحام
ثم اخرج الورقة من جيبه
وتأكد للمرة الاخيرة من المكان والموعد

كانت كل التفاصيل صحيحة
ولم يبق امامه الان الا ان ينتظر نجد

لم تمض دقائق طويلة حتى لمح ادم فتاة تتجه نحوه بخطوات هادئة

توقفت امامه ثم ابتسمت وقالت

ادم

نهض من مكانه وصافحها

نجد

اومأت برأسها

ثم جلسا على احد المقاعد في انتظار القطار
دار بينهما حديث طويل
عن ليان
وعن الرحلة
وعن ذلك الفريق الغريب الذي جمعهما من دون مقدمات
وكان ادم يعيد سرد ما حدث له خلال الايام الماضية بينما كانت نجد تنصت اكثر مما تتكلم

ومع مرور الوقت بدأ الحديث يخفت شيئا فشيئا
حتى ساد بينهما صمت قصير
 
وبينما كان يتابع حركة المسافرين قال ادم كنت اظن ان الانسان يكبر مع الايام ثم اكتشفت ان السنوات لا تكبر احدا 
بل تعلمه كيف يرتدي الاقنعة نقضي اعمارنا نتقن اخفاء الخوف واخفاء الضعف واخفاء كل ما قد يجعل الاخرين يرون هشاشتنا حتى يأتي يوم يسقط فيه كل شيء دفعة واحدة فيقف الانسان امام نفسه حائرا لا يدري اي وجه منها كان وجهه الحقيقي

قالت نجد وربما لهذا تضع الحياة امام الانسان لحظة لا يستطيع فيها ان يختبئ فيرى نفسه كما هي لأول مرة

قال ادم اخشى ان تكون تلك اللحظة قد وصلت متأخرة

اجابته بل جاءت في وقت لم يعد لديك ما تخسره ولهذا قبلت ان تبدأ من جديد

لم يرد عليها شعر ان كلماتها مرت في المكان الذي ظل يؤلمه منذ ان خسر كل ما كان يظنه مستقبله

انطلقت صافرة القطار
وبدأت الرحلة التي لم يكن ادم يعرف الى اين ستقوده حقا
مرت الساعات بين حديث متقطع وصمت طويل حتى اخذت المدن تتوارى خلف النوافذ ولم يبق سوى مساحات شاسعة من الرمال تمتد الى ما لا تبلغه العين

وحين توقف القطار اخيرا نزل ادم ونجد

تلفت ادم حوله باستغراب فلم يكن المكان يشبه القرية التي رسمها في خياله لم ير بيوتا متقاربة ولا شوارع  
 بل كانت بيوت قديمة مبنية من الطين تتناثر على جانبي طريق ضيق يصعد بينهما حتى ينتهي عند قمة صغيرة
 اخرجت نجد الورقة من جيبها ثم اشارت الى القمة
 وقالت هناك سنلتقي
 هذه الورقة مدون فيها كل تفاصيل العنوان

   نظر اليها ادم مستغربا ثم سأل وانتي
 اجابت بهدوء لدي وجهة اخرى سنلتقي لاحقا ظل يتابعها بعينيه حتى ابتعدت ثم عاد ينظر الى الطريق الممتد امامه ولم يستطع ان يتخلص من ذلك الشعور الغريب الذي رافقه منذ ان غادر القطار
 واصل ادم السير حتى وصل الى العنوان كان المكان موحشا ووقف عند المدخل عدد من الرجال كانت نظراتهم وحدها كافية ليشعر ان وجوده هناك كان خطأ تراجع خطوة الى الخلف ثم استدار ليغادر لكنهم سبقوه امسكوا به بعنف وسحبوه الى الداخل حاول المقاومة لكنهم طرحوه ارضا وانهالت عليه الضربات
 لم تستمر طويلا لكنها كانت كافية ليعرف ان الهرب لم يعد خيارا ثم القوه داخل غرفة واغلقوا الباب خلفه
 جلس بصعوبة يلتقط انفاسه وادرك ان الرحلة بدأت ولكن ليس كما اخبرته ليان

مضت ساعات وهو وحيد داخل الغرفة يحاول ان يفهم ما الذي يحدث حتى سمع صوت الباب يفتح دخلت نجد تحمل قليلا من الماء والطعام ووضعتهما امامه 

وقبل ان تنطق بكلمة قال بغضب لم يستطع اخفاءه اخبريني بصراحة ما الذي جئت بي اليه ان كانت هذه فكرتكم عن انقاذ الناس فهي اسوأ من الحياة التي تركتها خلفي لم آت لأحتجز ولم آت لأثبت شيئا لأحد افتحي الباب وسأنصرف ولن تروا وجهي مرة اخرى
ثم تابع وهو يزفر بضيق لا اريد فرصة من احد ولا اريد معروفا من احد ان كانت البداية هكذا فأنا لا اريد ان اعرف كيف ستكون النهاية

بقيت نجد تنظر اليه بصمت ثم قالت بصوت هادئ حتى بدا هدوؤها اشد قسوة من الغضب لو كان باب الرحيل يفتح بالكلمات لما بقي احد في مكان يؤلمه

 ثم دفعت الماء نحوه برفق واضافت اشرب فما ستحتاج اليه غدا ليس الغضب بل القوة 
ظل ادم يحدق فيها دون ان يمد يده 

فقالت غدا سيكون اول اختبار لك والنجاح فيه يعني الحياة اما الفشل فيعني الموت المحقق 
لا احد هنا سيعيد الاختبار ولا احد سيمنحك فرصة اخرى لان الحياة نفسها لا تفعل ذلك

ثم اتجهت نحو الباب وتوقفت لحظة قبل ان تفتحه وقالت بنبرة هادئة لم تحمل ذرة شفقة لذلك انصحك ان تأكل وتشرب وتحاول ان تنام لانك ابتداء من الغد لن تجد فرصة للراحة

مع اول ضوء للصباح خرج ادم من الغرفة برفقة الحراس ليجد القافلة قد اصبحت على اهبة الرحيل 

صعد الى عربة خشبية كانت نجد تجلس في احد طرفيها فجلس الى جوارها بصمت وما ان تحركت العربة حتى انطلقت القافلة بأكملها

 سار في المقدمة رجلان يحملان حزما من الحطب وخلفهما عربة يتوسطها قفص حديدي بداخله حيوان مفترس يشبه الدب 

بينما كانت العربات تشق طريقها بصمت نحو وجهة لم يكن ادم يعلم عنها شيئا

جلس ادم الى جوار نجد لكنه لم يشعر بالارتياح الذي توقعه كان في حضورها شيء يربك القلب قبل الفكر جمال هادئ لا يلفت الانتباه بالصخب بل يفرض نفسه بالصمت ومع كل هبة ريح كانت خصلات شعرها تتحرك برفق فتبدو كزهرة نادرة نبتت بين اشواك لا تشبهها

 واستغرب ادم ذلك التناقض كيف يمكن لوجه يحمل كل هذا الصفاء ان ينتمي الى عالم لم ير منه منذ وصوله سوى القسوة والغموض

ظل ادم يتأملها للحظات ثم قال كم تبدو الحياة مخادعة كنت اظن ان الجمال يطمئن صاحبه لكن يبدو ان ليان اختارتك لتكوني طعما لأمثالي وربما لا يختلف ما تخفينه كثيرا عن ذلك الوحش الذي في القفص الا ان الفرق الوحيد انه لا يملك وجها جميلا يختبئ خلفه

قالت نجد بصوت هادئ اتمنى ان تفشل في اختبارك يا ادم لان فشلك سيقتلك مرة واحدة اما نجاحك فقد يقتلك كل يوم وعندما تنظر الى ذلك الوحش تذكر انه لم يختر ان يكون كذلك بينما الانسان يملك هذا الخيار ومع ذلك يصر احيانا على ان يصبح اسوأ منه

نظر اليها ادم وقال لا .. لا اظن ان النجاح يقتل الانسان 
النجاح كان دائما الشيء الوحيد الذي يمنح المتعبين سببا ليكملوا الطريق لكن كم من الاشياء تحمل اسماء جميلة ولو عرف الناس اثمانها لبكوا كلما نطقوا بها اخشى ان يأتي يوم يعود فيه الانسان الى نفسه فيجد انه حقق كل ما اراد الا انه لم يجد نفسه بين كل ما حققه

وبعد ساعات من السير توقفت القافلة امام مغارة جبلية عتيقة كان مدخلها يبتلع الضوء كلما امتدت العين الى داخله ترجل الجميع ونزل ادم من العربة وهو يتأمل المكان بصمت قبل ان تقف نجد الى جواره وتقول هنا يبدأ اختبارك 

نظر اليها باستغراب فأشارت الى فوهة المغارة واضافت دخل هذا المكان كثيرون قبلك ولم يخرج منهم احد وما بقي منهم اليوم ليس الا عظاما تروي ما عجزوا عن روايته

وما ان انتهت من كلامها حتى تقدم رجلان امسك كل منهما بذراع ادم واقتاداه حتى وصلا الى مدخل المغارة ثم تركاه هناك وقال احدهما بلهجة جافة ان كنت تريد الحياة فامض حتى نهاية الطريق

تنفس ادم بعمق ثم مضى الى داخل المغارة دون ان يلتفت خلفه لم يكن قد انتصر على خوفه لكنه ادرك ان الخوف الذي عاش معه سنوات كان اثقل من اي ظلام ينتظره في الداخل

عندها فقط ادركت نجد لماذا وقع الاختيار على ادم دون غيره لم يكن اشجعهم ولا اقواهم لكنه كان اكثرهم انكسارا رأت في خطواته رجلا لم يعد يخشى ان يفقد شيئا لان الحياة سبق ان اخذت منه ما يكفي وعرفت ان كلماتها القاسية لم تكن لتكسره فقد جاء مكسورا من قبل وكل ما فعلته انها مشت فوق ذلك الحطام لتتأكد انه لم يعد في داخله ما قد يدفعه الى الالتفات والعودة
دخل آدم المغارة ولم يكن يسمع سوى وقع خطواته وهي ترتد من أعماقها. مضت دقائق طويلة دون أن يحدث شيء حتى بدأ يظن أن كل ما قيل له لم يكن إلا محاولة لبث الرعب في نفسه. وفجأة لمح على الأرض هيكلا لرجل ثم آخر ثم عشرات الهياكل تمتد على جانبي الطريق لكنها جميعا كانت متجهة في اتجاه واحد نحو الخارج. توقف مكانه. لم يمت أحد منهم وهو يحاول الدخول بل ماتوا جميعا وهم يحاولون الهرب. وقبل أن يستوعب ما رآه سمع من أعماق المغارة صوتا واحدا كأن شيئا بدأ يخطو نحوه.

 تجمد آدم في مكانه ولم يجرؤ هذه المرة على أن يلتفت. كان الصوت يقترب ببطء خطوة ثم أخرى ثم سكون قصير كأن صاحبه يعرف أين يقف ويعرف أيضا أن ضحيته تسمعه. قبض آدم على أنفاسه وحين لم يعد يسمع شيئا استجمع شجاعته واستدار دفعة واحدة.

 ألقى آدم نظرة أخيرة على العظام الملقاة خلفه ثم أدرك أن أصحابها لم يسقطوا وهم يتقدمون بل وهم يهربون. عندها توقف عن الالتفات خلفه واستقام في وقفته ثم واصل السير نحو العمق. إن كان الموت ينتظره في نهاية الطريق فليأت إليه وهو واقف لا وهو يركض منه.

 واصل آدم السير حتى خرج من نهاية المغارة فوجد نجد وعددا من الرجال في انتظاره فيما بقي الآخرون عند مدخلها الأول.

 ما إن خرج آدم من المغارة حتى ظن أنهم سيسألونه عما رآه في الداخل أو كيف وصل إلى النهاية 
تقدم إليه الرجال دفعة واحدة أمسكوا بذراعيه وأحكموا وثاقه بسرعة ثم شدوا القيود حوله كما لو أنهم يتعاملون مع وحش يخشون أن ينفلت منهم.

 حتى نجد لم تجرؤ على الاقتراب منه. اكتفت بالنظر إليه من بعيد بينما قاده الرجال إلى عمق الغابة حيث ثبت قفص حديدي بين الأشجار وأحكمت القيود في يديه وقدميه قبل أن يغلق الباب عليه. بقي هناك حتى أرخى الليل ستاره
 ثم اشرقت شمس يوم جديد
أحدث أقدم

نموذج الاتصال